الشيخ الطبرسي
279
تفسير جوامع الجامع
وَأُمِرْتُ لأِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 15 ) ) ( فَاطِرٌ ) خَبَرٌ بَعد خَبَر ل ( ذلِكُم ) ، أو خَبَرُ مبتَدأ محذُوف ، أي : خَلَقَ لَكُم من جنْسِكُم ( أَزْوجَاً ) وخلق ( الأنعم ) أيضاً من أجناسها ( أَزْوَجاً يَذْرَؤُكُمْ ) يُكثِّرُكُم ( فيهِ ) في هذا التَّدبيرِ ، وهو أَن جَعَلَ بين الذُكورِ والإِنَاثِ من النَّاسِ والأَنْعام التَّوالِدَ والتَّنَاسُلَ ، والضَّميرُ في ( يَذْرَؤُكُمْ ) يَرجعُ إلى المُخَاطَبينَ والأَنْعامِ ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ) وهو كَقَولِهِم : مِثْلُكَ لا يَبْخُلُ ، والمُرادُ : نَفْيُ البُخْلِ عن ذاتِهِ ، وهو من بابِ الكنَايةِ ، لأنَّهم إذا نَفَوْا الشَّيء عمَّن يَسُدَّ مَسَدَّهُ فَقَد نَفَوْهُ عنْهُ ، فالمعنى : نَفْيُ المماثلةِ عن ذاتِهِ سبحانَهُ ، فلا فَرْقَ بينَ أَن يُقَالَ : ليس كاللهِ شيءٌ ، وأَن يُقَالَ : ليس كَمِثْلِهِ شَيءٌ ، إلاَّ فَائِدَة الكِنَايةِ ، وقيلَ : كُرِّرتْ كلمةُ التَّشْبيهِ للتأْكيدِ ( 1 ) كَمَا كُرِّرتْ في قَولِ الشَّاعِرِ : وَصَاليات كَكَما يُؤثفَيْنَ ( 2 ) ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ) دينِ نُوح ومحمّد ومَن بينَهُما من الأنبياءِ ، ثمَّ فَسَّرَ المشْرُوعَ الذي اشتَركَ هؤلاء الرُّسُلُ فيهِ بقَولِهِ : ( أنْ أَقِيمُوا الْدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ) والمُرادُ : إِقَامةُ دينِ الإِسلامِ الَّذي هو تَوحيدُ اللهِ وطاعتُهُ والإِيمانُ برُسُلِهِ وحُجَجِهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ، ومَحَلُّ ( أَنْ أَقِيمُواْ ) نَصْبٌ بَدَلٌ من مفْعُولِ ( شَرَعَ ) والمعْطُوفين عليهِ ( كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ ) أي : عَظُمَ عليهِم وشَقَّ ( يَجْتَبِى إِلَيْهِ ) والضَّمير ل ( الْدِينِ ) أي : يَجْتَلِبُ إليهِ بالتَّوفيقِ ( مَنْ يَشَاءُ ) من يُجْدِي عليهِم لُطْفَهُ .
--> ( 1 ) قاله الزجَّاج في معاني القرآن : ج 4 ص 395 . ( 2 ) لخِطَام الريح المجاشعي الراجز ، وهو خِطَام بن نصر بن عياض ، وقيل : اسمه بشْر ، والبيت من قصيدة له يصف فيها آثار ديار مهجورة . راجع خزانة الأدب للبغدادي : ج 2 ص 313 .